يوسف المرعشلي

71

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

النبوية في كل خلاله حتى صغيرها ؛ فكان يقص شعره ، ويدفن المقصوص في حوض بيته ، ويتحين قص أظافره الخميس أو الجمعة قبل الصلاة ، حبّب إليه استعمال العطور الخفيفة كالورد والياسمين والزهر والصندل وربما يحملها في جيبه ، ومن اتباعه للسنة بدؤه الطعام بالملح وختمه بالملح لحفظه فيه أثرا عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه يشفي من سبعين داء . لا يترك غسل الجمعة ولو في أشد الأيام حراجة ، حتى يوم ترك قطنا إلى بعض بساتين قراها فرارا من ضرب الطائرات أيام الانتداب . يحرص على تحية المسجد ، ويحض على أداء الصلاة جماعة ، لم يترك الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان إلا في الشهر الذي كان آخر شهوره . كان كثير التلاوة والمدارسة للقرآن الكريم وخاصة في الثلث الأخير من الليل ، حسن الصوت والنغمة في التلاوة ، يأرق في الليل متفكرا متألما لما حلّ بالأمة مهتما بشؤونها الخاصة والعامة ، زاهدا في الدنيا ، لا يحب التباهي ولا التعالي ويعدها متاعا زائلا ؛ ولهذا فما كان يحب الإدخار ، فكانت حياته بسيطة في مسكنه وأثاث بيته ولباسه ، وكذلك طعامه إلا إن كان عنده ضيوف . يحافظ على النعم فلا يهون عليه رمي فضلات الطعام مع القاذورات ، فضلا عن أنه يلعق الصحن محافظة على النعمة والسنة ، يحب الأكل على الأرض جالسا على هيئة الصلاة أو متوركا أو مستوفزا ، ويكره الاعتماد في أثناء الطعام على إحدى اليدين لأنها جلسة المتكبرين الذين يريدون ملء معدهم وهو منهي عنه . أثر عنه كرمه وجوده ، وكان بيته في قطنا محطّ القاصدين وعابري السبيل والزوار ، والغريب أنه كلما حلّ هو ضيفا على أحد أصحابه توافد الناس إلى تلك الدار حتى تغصّ بهم ، وكانت داره في قطنا مفتوحة على مصراعيها لا يبخل أن يقدم كل ما عنده دون تكلّف وهو يردد ما جاء في العهود الشعرانية : « لا تبخل بالموجود ولا تتكلف المفقود » وقد ينزل به الطرّاق في منتصف الليل وأوائله ، وربما نام عنده الزوار الذين يفدون من أماكن قصية فيجدون عنده الراحة والسرور ، وكان جيرته كثيرا ما يبادرون بتقديم ما عندهم من بسط وفرش عند اللزوم حينما يضيق بيته . ومن كرمه سعيه في مساعدة العزّاب لدفع المهور ، وقد يدفع راتبه كله أو شطره لأحد مريديه أو بعض المحتاجين سائلا اللّه العون مرددا قولا أثر عنه : « المعونة على قدر المؤونة » ، وربما نزع جبته وأعطاها لمن يستحق ، فهو ينفق لا يخشى فقرا ولا إقلالا ، وكان ربما حرم نفسه الأكلة أو الدرهم أو المتاع ليدخل السرور على الآخرين ، وهذا من أسلوب شيخه الشيخ سليم المسوتي ، وكثيرا ما كان يدفع مع أبنائه قصعات من الطعام ليحملوها إلى الجيران وخصوصا في رمضان ، يوزع الخبز يوميا قبل خروجه لصلاة الفجر على المستحقين ولا ينسى إطعام الكلاب والقطط ، ولم يترك توزيع الخبز حتى في السفر ، فإن كان نازلا عند بعض إخوانه سألهم بعض أرغفة يبقيها معه ليوزعها قبل الفجر ، متمثلا بالأثر النبوي : « بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطّاها - الحديث » . وكانت للمترجم رهبة في النفوس شديدة الوقع ؛ لا يجرؤ أحد أن يبدأه بالكلام إلا إذا بدأ به هو ، ولم تكن مهابته على من يعرفه ، بل كانت تتعداها إلى من لا يعرفه ؛ من ذلك ما حدثوا أنّه كان له في قطنا أيام الانتداب جار فرنسي كبير ، يعتد بنفسه ، ويزعج الشيخ ومن حوله بسكره وعربدته وسهراته الصاخبة وضجيجه ، وكان الناس يتهيّبونه لما في يديه من حل وربط وإمكانية ، فلما نفد صبر الشيخ خرج إليه حاملا عصاه ، وخبط على بابه ، فزجره وأغلظ له في الكلام فبدا عليه الإنكسار والخضوع والامتثال . ومن مظاهر هيبته في النفوس أنه إذا كان ذاهبا إلى الصلاة ، ومرّ من أمام المقهى قام الكثيرون في صحبته إلى المسجد خوفا من زجره لهم ، وتعنيفه إياهم . وسمع بجندي اختطف امرأة من زوجها ، وأراد أن يتزوجها ، فقام الشيخ إلى داره وضرب الجندي الذي كاد يموت من الفزع ، وأقلع عن فعلته ، لكنه أضمر الشر للشيخ ، فتربّص به في بعض الزوايا ومعه بندقيته ، ولما رآه أطلق عليه النار ، ولكن البندقية لم تطلق الرصاص فأسقط في يده ، وهرع إلى الشيخ يقبل يديه ، ويقول : « اغفر لي أيها الشيخ لقد تبت إلى اللّه على يديك » .